Ok

En poursuivant votre navigation sur ce site, vous acceptez l'utilisation de cookies. Ces derniers assurent le bon fonctionnement de nos services. En savoir plus.

8 مارس الثورية - Page 5

  • مشكل المثقفين ــ كلارا زتكين ـ الحلقة الأولى

    ضمن ملف " كلارا زتكين سيدة 8 مارس الأولى" يقدم موقع 8 مارس الثورية سلسلة من الحلقات تحت عنوان "مشكل المثقفين" ل" كلارا زتكين"

     

    الحلقة الأولى

    تقرير مقدم أمام المؤتمر الخامس للأممية الشيوعية المنعقد

    في 7 يوليوز 1924 (من محضر المؤتمر).

     

    إننا نرى مشكل الأنتلجنسيا مطروحا في أعين عشرات الآلاف من النظرات الحائرة والمتلهفة، نسمعه في صرخات استغاثة عشرات الآلاف من الناس، الذين فقدوا مثالهم وقوة روحهم في مواجهة صعوبات الحياة، ولم يعودوا قادرين على فهم أن تجربتهم وآلامهم الشخصية تدخل ضمن كل تاريخي، ولا قادرين على استخراج القوة الضرورية من أجل العيش. لكن إلى جانب استغاثة المثقفين، التي تسببت في أزمة الأنتلجنسيا فإننا نرى انبثاق ظاهرة أخرى، وهي احتضار الثقافة البورجوازية.

    إن أزمة الأنتلجنسيا هي أيضا أزمة عمل فكري في المجتمع البورجوازي، ونسجل وجود هذه الأزمة في جميع البلدان الرأسمالية، حقا ليست بنفس درجة الخطورة في جميع هذه الدول، وليس لها نفس الامتداد، لكنها متشابهة، بالنظر إلى معناها التاريخي وإلى تطورها، ونجدها أيضا في جميع الدول الاشتراكية السوفياتية، لأنه، حتى إذا كان النظام الرأسمالي بها قد تم قلبه، فإن تحول المجتمع نحو الشيوعية، ليس إلا في بدايته الأولى، ولا يتحقق إلا بثمن أسوء الصعوبات.

    إن مشكل الأنتلجنسيا في المجتمع البورجوازي يظهر على أنه في آخر المطاف أنه أزمة عمل فكري، بل هو أزمة الثقافة نفسها، فلم يعد المجتمع البورجوازي قادرا على الحفاظ على ثقافته الخاصة ولا على تطويرها، وهكذا يكف مشكل الأنتلجنسيا على أن يكون حصريا مشكل مثقفين أو مشكل المجتمع البورجوازي، لقد أصبح مشكل بروليتاريا التي تكمن مهمتها التاريخية، في السماح لكل القوى المنتجة والثقافية بتحطيم الحواجز التي ينصبها النظام القائم في وجهها، وإذا أرادت البروليتاريا القيام بهذه المهمة، فعليها أولا، أن تعي بشكل واضح العلاقات القائمة بين القوى المحددة للصيرورة التاريخية.

    إن أزمة الأنتلجنسيا وأزمة العمل الفكري، هي من أعراض الهزة العميقة للنظام الرأسمالي الذي يتعذر إصلاحه، وللدولة وللمجتمع، الذي يشكل هذا الاقتصاد قاعدتهما.

    إن أزمة العمل الفكري ليست فقط علامة تؤشر على نهاية الرأسمالية، بل إنها جزء لا يتجزأ من الأزمة العامة التي تزعزع هذه الأخيرة. أما في الدول السوفياتية، فهي التعبير عن الهوة التي ما زالت قائمة، بين السلطة السياسية التي أصبحت في يد البروليتاريا، والتحولات التي عرفها الإنتاج، والبنية الإيديولوجية لمجتمع يشق طريقه نحو الشيوعية.

    إجمالا، فإن أزمة العمل الفكري وأزمة الأنتلجنسيا الناتجة عنها، تشير إلى وجود توتر قوي جدا بين سيرورة متقدمة جدا وتفكك النظام البورجوازي، وبين سيرورة خلق إنتاج وثقافة شيوعيتين.

    يعيش المثقف في نمط إنتاج رأسمالي:

    تكشف أزمة الأنتلجنسيا، أن التعارض بين العمل اليدوي والعمل الفكري، ليس هو الذي يحدد الوضعية الاقتصادية والموقع الاجتماعي للمثقفين، وأن الذين يظنون أن هذا التعارض هو المحدد لمصير المثقفين هم كثيرون، وأن موقع طبقة البروليتاريا يعطي الدليل على ذلك، هم خاطئون.

    إن الاختلاف الاجتماعي بين بروليتاريين ومثقفين، يأتي من كون عمل هؤلاء الأخيرين لا يمكن أن تقوم به الآلة، ويحتاج إلى مدة طويلة في التكوين. إن العامل المثقف لا يمكن أن "يروض" بشكل أسرع من العامل اليدوي، من أجل تلبية حاجيات الاستغلال الرأسمالي. لكن الاختلاف الاجتماعي الناتج عنها هو ثانوي ومؤقت، فهي تأتي في مرتبة أخيرة، إذا أخذنا بعين الاعتبار العناصر التي تعد في الحقيقة أصل التعارض بين العمل اليدوي والفكري.

    إنه التناقض العدائي بين الملكية والكائن البشري، بين الرأسمال والعمل، أو باستعمال مفردات اجتماعية، بين الأغنياء والفقراء، بين المستغلين والمستغلين، التناقض العدائي الذي وجد تعبيره التاريخي الكلاسيكي، في التعارض الطبقي بين البورجوازية والبروليتاريا.

    إن وضعية العامل ليست نتاجا، لا لموهبته ولا لمعارفه ولا لقدراته التي حصل عليها خلال فترة تكوين طويل وشاق، لكن هي في النهاية نتاج للتعارض بين الرأسمال والعمل.

    إن المثقف يعيش في نمط إنتاج رأسمالي، وهو خاضع لقوانينه، فمن منتج للقيم الثقافية، تم تحويله إما لبائع "سلع" مثل الحرفي الصغير، أو مثل البروليتاري، فهو يعرض في السوق ك "أجير" يبيع فيه البضاعة الوحيدة التي يتوفر عليها، وهي قوة عمله والكد لمصلحة الرأسماليين، لصالح دولتهم ولفائدة الثقافة البورجوازية، وسواء باع المثقف منتجاته أو قوة عمله، فهو في جميع الأحوال خاضع لقوانين السوق الرأسمالية. في البيان الشيوعي كان ماركس قد بين بشكل ساطع، أن العالم مثله مثل الفنان لم يعودا اليوم إلا بائعي بضائع.

    على عكس ما يتصوره المثقفون في أغلب الأوقات، فإن علاقاتهم الاقتصادية مع الرأسمال لا تضعهم بتاتا في موقع تعارض لا يمكن تجاوزه تجاه البروليتاريا، وتجاه ارتباطهم الشديد بالبورجوازية على المستوى الاجتماعي، فالعكس هو الصحيح، فالمثقف في الواقع مرتبط بالبروليتاري بمعارضته للرأسمال، إنه منفصل نهائيا عن البورجوازية بالدور الذي يقوم به كبائع لمنتوجه أو قوة عمله، وأن يلعب في السوق هذا الدور أو ذاك، فهو خاسر في جميع الأحوال، فسينتصر عليه الرأسمالي الكبير، إن هم الخبز اليومي يستعبده، كما يستعبد البروليتاريا العمل اليدوي. إن الاستغلال والعبودية التي يتعرض لها، ليست إلا مظهرا خاصا للاستغلال والاستعباد لكل عمل مهما كان، من طرف الرأسمال.

    إذن فقط، بتحطيم قوة الرأسمال عن طريق القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، التي ستصبح ملكية جماعية، يمكن وضع حد لواقع الحال هذا. إن الثورة البروليتارية هي وحدها التي ستعيد للمثقف حريته كما تعيدها للعامل اليدوي، فمصلحته العليا تفرض عليه النضال إلى جانب البروليتاري لوضع نهاية للإنتاج الرأسمالي والسيطرة الطبقية للبورجوازية.

    المثقفون فئة اجتماعية خاصة:

    يشعر المثقفون بصفة عامة أنهم متضامنين بشكل قوي ودقيق مع المجتمع البورجوازي، ويفسر هذا بالتطور الذي جعل منهم فئة اجتماعية خاصة، حيث أن المثال النموذجي هو ذلك المتخصص الذي تكون في الإطار الضيق لحقل تخصصه، الشيء الذي يتوافق وظروف الإنتاج الرأسمالي، بتقسيمه للعمل والبنية المذررة (من الذرة) للمجتمع البورجوازي، مع فصل الوظائف الاجتماعية.

    إن تشكل المثقفين كفئة اجتماعية مرتبط بشكل وثيق بتطور الإنتاج الرأسمالي وبالمجتمع البورجوازي الطبقي.

    في أصل الإنتاج الرأسمالي نجد اكتشافات العلم والتقنية وكبار الملاحين، ولم يكن ذلك بالوارد بدون اختراعات العلماء والتقنيين، وبدون، كذلك، النشاط والقدرات التدبيرية للتجار وبدون جرأة الملاحين،  وفي نفس الوقت، وإن كان العلم والتقنية والتدبير والإدارة عوامل أساسية في نشأة الرأسمالية، فهذه الأخيرة في المقابل، مارست التأثير الأكبر على تطور العلوم، وبالأساس العلوم الطبيعية، ويمكننا عمليا أن نقول أن الكيمياء هي علم الإنتاج الرأسمالي، لأنه بفضل هذه الأخيرة أصبح بالإمكان تحويل الخيمياء (لالشيمي) العجيبة للقرون الوسطى إلى علم ثوري، ونفس الشيء ينطبق على التقنية الكهربائية وتخصصات تقنية أخرى.

    لم تكن البورجوازية قادرة على تحرير الإنتاج من البنيات الفيودالية، بدون المساهمة الحاسمة للمثقفين، أيضا، كانت في حاجة إليهم فقط، لتحقيق أهدافها في الهيمنة السياسية والاجتماعية، لقد كانت في حاجة إلى مساعدتهم لتستطيع، تحت قاعدة علاقات جديدة، تغيير البنية الفوقية الإيديولوجية للمجتمع الفيودالي لتصنع منها بنية فوقية إيديولوجية للمجتمع البورجوازي.

    باعتبارها طبقة مالكة، فقد كانت البورجوازية قد توصلت في إطار النظام الفيودالي، إلى ثقافة تتجاوز ثقافة الأسياد القائمة وربطت بها المثقفين بعناية. 

    لقد أصبح هؤلاء مبشروها وروادها، في صراعها ضد أنماط تفكير المجتمع الفيودالي وفئتها ذات الامتيازات: الكنيسة، النبالة وملوك الحكم المطلق.

    لقد صهر المثقفون الأسلحة الضرورية، واستعملوها من أجل تحطيم سلطاتها، وقد ارتكز الناطقون بلسانها، أولا على الإنجيل وعلى علوم العصر القديم وفنونه، وبعد ذلك، كان سلاحهم الأساسي، العقلانية الانجليزية، وخاصة فلسفة الموسوعيين. إن المثقفين نجدهم على رأس كل الحركات الإصلاحية والثورية، فقد حولوا المجتمع الفيودالي إلى مجتمع بورجوازي، والمثقفون هم أيضا من قاد الشيع – الاجتماعية - الثورية الأكثر أهمية والحركات الفلاحية الكبرى.

    إن نضال المثقفين قد حرر العلوم والفنون والثقافة من قيود النظام الفيودالي وانتزعوها من القوى القائمة، ووضعوها في خدمة البورجوازية والمجتمع البورجوازي، فقد تمت "علمنة" الفن والعلم.

    "عمال غير منتجين، أفواه عديمة الفائدة":

    إن مساهمة المثقفين في تطور الاقتصاد الرأسمالي وتحرر البورجوازية وفي فرض سيطرتها، اكتسبت شيئا فشيئا أهمية، ستتقوى بفضل الإنتاج الرأسمالي، وتتأكد وضعيتها المسيطرة في الإطار نفسه للمجتمع الفيودالي، والوصول في النهاية إلى السلطة بالنضال الثوري.

    إن مهام المثقفين وأهميتهم بالنسبة لتطوير الاقتصاد قد تزايدت، وفي نفس الوقت نجد أيضا أن القوى التي تدفع إلى تغيير البنية الفوقية الإيديولوجية، وخلق الجهاز السياسي الذي تحتاجه البورجوازية، من أجل فرض نفسها وتأكيدها، تتقوى.

    لم يكن المثقفون فقط، منظمين وقادة الإنتاج الرأسمالي، بل وفروا أيضا للدولة البورجوازية وأجهزتها، العاملين والموظفين والمستخدمين الضروريين للتشريع والإدارة في جميع الميادين وجميع المؤسسات، حيث تكون فيها البورجوازية في حاجة لممارسة السيطرة على الطبقات الأقل غنى، بل الفقيرة، وبشكل خاص على البروليتاريا. مع ذلك، فمكافأة المثقفين لم تكن في مستوى مساهمتهم التاريخية في التمكين من هذه السيطرة، فقد نسيت البورجوازية بصفة خاصة أن الذين خلقوا اللبرالية والديموقراطية البورجوازية كانوا هم المثقفون، فبفضلهم تمكنت من إغراء العمال لمدة طويلة وتكبيلهم، فهي لم تهتم بهم إلا بقدر ما كانوا منتجين لفائض القيمة بصفة مباشرة. إن المثقفين الذين امتهنوا وظائف اجتماعية أخرى، كانوا يعتبرون، في النهاية، من طرف البورجوازية ك"عمال غير منتجين، أفواه عديمة الفائدة".

    لقد شرح كبار اقتصاديي البورجوازية الصاعدة بدون أي غموض، أنه وحده ذلك الذي يعيش من أجل الزيادة في الرأسمال من يمكن اعتباره منتجا، وليس ذلك الذي يعيش من مداخيل الرأسمال ، ونأخذ آدام سميث على سبيل المثال، الذي قال "إن بعض الفئات ذات الاعتبار في المجتمع لا تقدم إلا القليل من العمل المنتج مثلها مثل خادم البيت"، ومن بين هذه الفئات التي يضعها آدام سميث في نفس مستوى خادم البيت، يوجد هناك: الأمراء الحاكمون، ضباط الجيش والبحرية وكل الجهاز العسكري، القضاة، الأطباء ومثقفون آخرون، وأخيرا مغني الأوبرا والممثلين والكتاب وراقصي البالي.

    من خلال هذه الرؤية، فقد نظرت إذن البورجوازية إلى العاملين في مجال الفكر باحتقار كطبقة دنيا من المستهلكين العديمي الفائدة، وإنه فقط عندما وصل فائض القيمة، عن طريق استغلال البروليتاريا، إلى رقم مرتفع جدا، أصبحت البورجوازية تتوفر على ترف رمي بعض الفتات من ثروتها إلى المثقفين غير المنتجين، أي إلى أولئك الذين لم يكونوا منخرطين مباشرة في الإنتاج.

    إن التعبير التاريخي عن احتقار البورجوازية هذا للمثقفين، هو الوضعية البئيسة لأغلبهم، ففي الوقت الذي كانوا هم من خلق البنية الفوقية الإيديولوجية للمجتمع البورجوازي، أي الإيديولوجيا المسيطرة، كان عليهم أن يبحثوا عن الحماية إلى جانب السادة الصغار، وكانوا مكرهين على القبول بأعمال ذات أجور زهيدة، وفي بعض الأحيان أيضا القبول ببعض الوظائف الكنسية، رغم أنهم كانوا مفكرين أحرارا: لقد حولوا إلى رتبة مربي أطفال، وكان عليهم أن يلتجؤوا إلى صالونات سيدات النبالة.

    إن تاريخ البورجوازية وصراعها ضد الأرستقراطية، أو بشكل أدق، تاريخ أولئك الذين خاضوا الصراع في انجلترا وفرنسا وألمانيا يقدم الدليل على ذلك.

    لم يستخلص المثقفون النتائج من هذا الاحتقار الصارخ لعملهم، فهم لم يكن لديهم انطباع أنهم منفصلون عن البورجوازية، بل اعتبروا أنفسهم جزءا منها، فقد عاشوا في وهم أنهم، بممارستهم لمهنة حرة، فهم يمثلون علما "حرا" وفنا "حرا" وثقافة حرة"، وأن أغلبهم بقي على هذا الانطباع، فكيف يمكن شرح ذلك؟

    لقد جرت داخل الأنتلجنسيا عملية تراتبية اجتماعية أكثر تعبيرا عن التصنيف المستعمل عادة، بمعنى مستخدمي القطاع الخاص وموظفي الدولة والمصالح العمومية والمهن الحرة. لقد كانت الفئة العليا من الأنتلجنسيا قريبة من البورجوازية، أو انبثقت منها، وبفضل وضعيتها في مقدمة عملية الإنتاج وفي الحياة السياسية، أو في مختلف المجالات الثقافية "ارتقت" أقلية عن طريق العمل أو الطموح إلى مرتبة البورجوازية التي أصبحت منذ ذلك الحين جزءا منها، وفي مرتبة أدنى من هؤلاء المحظوظين، نجد فئة عريضة من المثقفين التي تعيش حقا بشكل تقليدي في هدوء عالم بورجوازي صغير، ولكن أيضا،  تتقاسم معها الذائقة سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي، ثم تأتي المجموعة الثالثة من العاملين في مجال الفكر الذين لم يسعفهم لا حظهم، ولا نجمهم في الحصول على أي امتياز، والذين يتموقعون على هامش البروليتاريا الرثة التي غالبا ما يذوبون داخلها، وهنا يوجد طابع مميز، فعندما لا يستطيع مثقف البقاء في مدار البورجوازية باحتلال وضعية متحملة أو مميزة، فهو لا يسقط في أغلب الحالات في صفوف البروليتاريا، بل يغوص داخل البروليتاريا الرثة.

    الوضعية المتميزة للمثقفين:

    مع ذلك، فبالمقارنة مع ظروف الحياة والوضعية الاجتماعية للطبقة العاملة، يمكن القول أن الانتلجنسيا كانت تتمتع بوضعية متميزة وسط المجتمع البورجوازي، و وفقا لذلك كان المثقفون يحسون أنهم منفصلون عن البروليتاريا، لكن هذه الوضعية المتميزة للأنتلجنسيا كانت غير متساوقة تماما على المدى البعيد مع مصالح البورجوازية، بمعنى البحث عن الربح والتراكم والسيطرة داخل الدولة والمجتمع، وبطبعها، فعلى البورجوازية إذن، أن تميل إلى تحطيم امتيازات الأنتلجنسيا، وقد حطمتها عندما وازنت العرض والطلب في ميدان العمل الثقافي.

    إن وضعية الامتياز التي كانت للمثقفين على المستوى الاجتماعي تأتي في جزء منها، وخلال مدة طويلة، بعد التحرر السياسي للبورجوازية، من تطور التعليم والثقافة الذين ظلا مكبوحين ومعرقلين ببقايا النظام الفيودالي.

    كان عدد المثقفين الذين تتوفر عليهم البورجوازية للوصول إلى أهدافها في ميادين الإنتاج والسلطة متقلصا جدا، لقد كانت البورجوازية في حاجة إلى عدد من الباحثين والتقنيين يكرسون قواهم لتطوير الإنتاج، لقد كانت في حاجة لثقافة عالية للمحافظة على قيادتها لعبيد الدولة المثقفين، حيث كانت المهمة تتمثل في توفير أساس إيديولوجي لسلطتها. كان إذن لابد أن تتوفر على فائض من العاملين في مجال الفكر، حينئذ بدأت في مضاعفة إنعاش مؤسسات التعليم العالي بل وحتى تحسين المدرسة الابتدائية، وقد كان نتيجة هذه السياسة أن توفر فائض في إنتاج المثقفين، أو بتعبير أدق، فائض إنتاج نسبي. وفي الواقع، فطالما أن الجامعات تكون أكثر عدد من الناس مما تحتاجه البورجوازية لتحقيق أهدافها من الربح والسيطرة، فهناك فائض، وفي المقابل، لا يوجد هذا الفائض إذا اعتبرنا المشكلة من زاوية الحاجة الثقافية الضخمة للجماهير، حين ذاك تتوفر البورجوازية على جيش احتياطي ضروري لتخفيض المكافأة للعاملين في مجال الفكر ومفاقمة وضعيتهم، وقد استخدمت هذه الوسيلة بشكل كامل.

    إن التصنيف الاجتماعي للأنتلجنسيا الذي تكلمت عنه سابقا، قد تعمق بين المجموعات الثلاث، كما تفاقمت الفوارق، فعدد العاملين في مجال الثقافة والفكر، الذين شاركوا في الحياة الزاهية للبورجوازية وفي رغد عيشها تقلص نسبيا وإن كان قد تضاعف في المطلق.

    ليس من الممكن إحصائيا تحديد مستوى قياس حجم علاقات التغيير بين المجموعة الثانية والثالثة، وحتى ما قبل الحرب، وأمام ارتفاع عدد المثقفين داخل الاقتصاد والدولة إلخ ... فهؤلاء السادة الإصلاحيون وعلى رأسهم برنشتاين، وصلوا إلى خلاصة تشكل "طبقة متوسطة جديدة"، التي ستستخدمها البورجوازية كسور ضد البورجوازية،  فحسب هذه النظرية، فإن العديد من العاملين في مجال الفكر والثقافة مدعوون لتسلق السلم الاجتماعي، وتسمح الإحصائيات بتأكيد صحة هذه النظرية، فمبلغ الأجرة أو المداخيل ليس عنصرا كافيا لتحديد الوضع الاجتماعي لمختلف فئات المثقفين، ويجب أيضا الأخذ بالحسبان نمط العيش المعتاد والإمكانيات المادية والثقافية التي يوفرها دخل عمل المثقف. تحت هذه الزاوية، يجب أن نخلص إلى تفاقم في وضعية الأنتلجنسيا في جميع الميادين وفي مختلف البلدان، وهذا هو مكمن مشكل الأنتلجنسيا.

    9 ـــ 5 ـــ 2017

    ترجمته عن الفرنسية: جميلة صابر